الشيخ محمد هادي معرفة

72

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

( الدرجة السابعة ) كأنّه قال : إنّي وهنت العظامُ منّي ، فترك ذكر البدن ، وجمع العظام ، إرادة لقصد شمول الوهن للعظام ، ودخوله فيها . ( الدرجة الثامنة ) ترك جمع العظام إلى إفراد العظم ، واكتفى بإفراده فقال : « إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي » . ( الدرجة التاسعة ) تَركَ الحقيقة ، وهي قوله : أشيبُ ، أو شاب رأْسي ، لما علم أنّ المجاز أحسن من الحقيقة ، وأكثر دخولًا في البلاغة منها ، ثمّ تركت هذه الجملة بجملة أخرى غيرها . ( الدرجة العاشرة ) أنّه عدل عن المجاز إلى الاستعارة في قوله « وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » وهي من محاسن المجاز ، ومن مُثمرات البلاغة ، وبلاغتُها قد ظهرت من جهات ثلاث : الجهة الأولى : إسنادُ الاشتعال إلى الرأْس لإفادة شمول الاشتعال بجميع الرأس ، بخلاف ما لو قال : اشتعل شيب رأْسي ، فإنّه لايُؤَدّي هذا المعنى بحال ، ف - « اشتعل رأسي » وزانُ : اشتعلت النار في بيتي ، و « اشتعَلَ رأْسي شَيْبا » وزانُ : اشتعل بيتي نارا . الجهة الثانية : الإجمال والتفصيلُ في نصب التمييز ، فإنّك إذا نصبت ( شَيْبا ) كان المعنى مخالفا لما إذا رفعته ، فقلت : اشتعل شيبُ رأْسي ، لما في النصب من المبالغة دون غيره . الجهة الثالثة : تنكير قوله « شيبا » لإفادة المبالغة ، ثمّ إنّه ترك لفظ « منّي » في قوله « وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » اتِّكالًا على قوله « وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي » ثمّ إنّه أتى به في الأول بيانا للحال وإرادة للاختصاص بحاله فيإضافته إلى نفسه . ثمّ عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى بلفظ الماضي ، لما بينهما من التقارب والملاءمة . فانظر إلى هذا السياق المثمر المورق ، وجودة هذا الرصف المعجب المونق ، كيف ترك جملة إلى جملة ، إرادة للإجمال بعده التفصيل ، من أجل إيثار البلاغة حتى انتهى إلى خلاصها ، ودهن لبِّها ومصاصها ، وهو جوهر الآية ونظامها بأوجز عبارة وأخصرها ، وأظهر بلاغة وأبهرها .